مصر جمجمة العرب، وكنانة الله في أرضه، أم الدنيا، ونهر الثقافة، ومعلّمة العرب. مصر البطولات والتضحيات، أرض النبوة، والشعر، وميدان عين جالوت، وحرب أكتوبر،
التي قررت أن تكون حصن العرب الذي تتكسر عليه السهام،
ما خرجت من معركة إلاّ ودخلت في معركة أخرى،
وستظل في رباط إلى أن تقوم الساعة. مصر التي قررت أن تكون وفية لأمتها ولقيمها، وظلت عصيّة على الترويض والتطبيع، ولدت فاتحة،
وستبقى فاتحة. صبرت على الضيم، ولكنها ما استكانت، واليوم تعلن أن الحياة حرية، وأن الوجود كرامة، فانتفضت ضد الاستبداد،
وقررت أن تكون أرض المعجزات، ووطن الإلهام، لكل المهمشين والمضطهدين. مصر ترمومتر الوعي العربي، قررت اليوم أن تكسر الأغلال،
وتعيد إلى الجسد العربي حرارته، وإلى العقل العربي حيويته، وترسم ثورة بيضاء نقية، ضد البطش والطغيان، وحاول الانتهازيون والبلطجية اختطاف الثورة، ولكن الشباب أبوا إلاّ أن يكونوا ضد الزيف والانتهازية، وأن يكون الولاء لمصر أم الدنيا،
ووطن التضحيات. لمصر وأهلها، وثورتها البيضاء،
وشبابها الناصعين، وغدها المرتقب أهدي هذه الكلمات: يا بهيّة.. ألف مليون سلام وتحيّة.. يا رحيق اللّغة الأولــــى وعطر الأبجديّـــــة.. يا مدارًا ضمّنا في صدره الدافـــــي.. وغطّانا من الرّيح.. وأسقانا من الثديين زهوًا وحميّة.. يا بهيّة.. نهرك النيليّ ما كفّ عن الجري.. موّالكِ ما جفّ.. وما زالت أغانيكِ الشجيّة.. منذ كنتِ قمرًا يزهو، وفلاّحًا.. وجنديًّا على بوابة الفجر ينادي.. يا بلادي تسقط الروح ولا نعطي الدنيّة.. منذ كنتِ، وهوى عينيكِ لا يغزل إلاّ السحر والكبر وسرّ الشاعرية.. قدّر الله، وجئتِ يا بهيــّة فلقًا من مهجة النور.. ورؤيا عبقريّة مهرةُ شبّت على الضبح وفرسانًا على سرج الهوية.. أنتِ مَن علّمنا ألاّ نهادن.. ورمانا سابحًا في فيلق الفتح.. وأعطانا صهيل البندقيّة.. ففتحنا كلّ أبواب المحالات وكبّرنا على زحف الجيوش البربريّة.. وتعبتِ.. فلقد كنتِ الذي ضحّى.. وأصبحتِ الضحيّة.. الوجوه العسكريّة.. صفّدت كفّيكِ.. واستبقتكِ في زنزانة الجرح تنادين المحبين.. ولكن ما أجابوك.. نسوا الأم الوفيّة.. عندها شقوّا لك القبر.. وصلّوا.. وادّعوا أنّكِ دوّنت الوصيّة.. فنهضتِ من رماد الوقت فينيقًا وأنكرتِ القضيّة.. ولعنتِ كلّ مَن خانوكِ مَن أعطى المفاتيح أعاديكِ.. وألغى لغة الحب ومعنى الآدميّة.. وأعاد المجد للسلب وللنهب وعصر الفوضويّة.. ونهضتِ.. وكتبتِ: لم تمت بعدُ بهية.. فانتشى النِّيل على وقع خطاكِ.. سقط الحاوي على جمهوره لمّا رآكِ.. وانتهت كل فصول المسرحيّة
نشر فــي جريدة المدينة ( ملحق الرسالة ) ليوم الجمعة الموافق 15 /3 / 1432